حين تنفصل الملامح عن الداخل
يبدو الأمر في الظاهر مستقرًا: كلمات رزينة، حضور لافت، قرارات سريعة، وربما ضحكة موزونة في الوقت المناسب. لكن، تحت هذه القشرة الملساء، تنشب حرب خرساء لا يراها أحد. القلق في هذا السياق شديد الحضور في الداخل لكن لا يُقال، والتردد لا يُسمع، والغربة تتسع!
كم مرة وقفنا بثقة أمام الناس، بينما أنفسنا تتلوى بأسئلة لا نملك لها جوابًا؟
كم مرة امتثلنا لثقة الآخرين بنا، لا حبًّا في المسؤولية، بل خوفًا من أن يكتشفوا هشاشتنا؟
في اللحظة التي تنفصل فيها الثقة الظاهرة عن الشعور العميق بالذات، تنشأ فجوة… لا يُملؤها لا النجاح ولا الثناء، بل تتسع كلما أُجبرنا على التمثيل أكثر.كيف نفسر هذا الانفصام بين ما يقدم للمجتمع ، وما بين يُحس في الداخل؟
اتجهت اجتهادات المحلل “شاسان” نحو اعتبار الذات لا تتكوّن من داخلها، بل عبر نظرة الآخر. ما يبدو كـ”ثقة بالنفس” ليس سوى صورة مشذبة نُصمّمها كي تُرى، وليس كي نعيشها من الداخل! تتكون الهوية من الـ”trait unaire”، وهو الأثر الأول الذي يتركه الآخر فينا، فنحاول طيلة حياتنا أن نحافظ على صورته. أي خلل بين “الصورة المعروضة” و”الحاجة الحقيقية” يولّد صراعًا داخليًا صامتًا.
يحدث الصراع حين يُطلب من الفرد أن يظل متماسكًا خارجيًا في حين أن حاجاته الداخلية لا تجد اعترافًا. لا من الآخر، ولأنها تربت على الاعتراف الخارجي فلن تستطيع إنتاج الاعتراف من داخلها. نتحدث عن انقسام نفسي. فالهوية التي تُبنى من خارج الذات، تبقى دائمًا عُرضة للتشقق. إذ كلما زاد اعتمادها على التقدير الخارجي، كلما أصبح غياب هذا التقدير تهديدًا لوجودها. والنتيجة إرهاق داخلي دائم، خوف مزمن من الانكشاف، وتيه بين التمثيل والشعور.
بهذا المعنى، فإن الثقة بالنفس التي لا تُبنى من الداخل، بل تُلقّن كقناع اجتماعي، قد تصبح عبئًا بدل أن تكون مصدر قوة. في حين أن من يجرؤ على الاعتراف بهذا الصراع، لا يُضعف نفسه، بل يبدأ أولى خطوات الترميم من الداخل.
ما يُعرَض للناس يصبح أكثر اتساقًا وتماسكًا، بينما الداخل يزداد هشاشة، فلا يعود المرء يعرف من هو فعلًا، بل فقط من “يجب أن يكون”. هذه الهوة بين ما نعرضه وما نحتاجه لا تنكشف غالبًا إلا في لحظات التعب الشديد، أو الصمت الطويل، أو حين يغيب من كنا نمثل أمامه.
في تحليل نفسي-اجتماعي يرى بيرن أن الفرد يمرّ من ثلاث حالات للذات: الوالد – البالغ – الطفل. من يظهر بثقة مفرطة قد يكون في “وضعية الطفل الطائع” الذي يبتسم كي يُرضي، وليس “البالغ الواعي” الذي يتصرّف من انسجام داخلي. فتكرار هذا النمط يُحيل الشخص إلى لعبة نفسية تدعى “أنا بخير… لكنني لست بخير فعلًا”.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن ما يسمى بـPerceived Self-Efficacy (فعالية الذات المُتصورة) لا تعني أن الشخص يعيش الثقة فعلاً. بل قد تكون واجهة ناتجة عن “ضغط التوقعات الاجتماعية” أو “التموقع في علاقة مهنية أو عائلية” تحكمها أدوار جامدة. في هذه الحالة، تتحوّل الثقة من شعور إلى أداء مسرحي يومي.
تمارين نفسية اجتماعية: استعادة الانسجام بين الداخل والخارج
▣ التمرين 1: تعرية القناع
في دفتر خاص، اكتب كل ما تتصوره عن “الصورة التي يراك بها الناس”، وصف بجانبها كيف تحس في داخلك تجاه كل صفة. هل تعجبك؟ هل تزعجك؟ هذا التمرين يساعد على كشف التوتر بين الهوية الظاهرة والداخل المضغوط.
▣ التمرين 2: نقد الدور الاجتماعي
اختر موقفًا أسبوعيًا يظهر فيه هذا التباين (مثلاً: اجتماع عمل، لقاء عائلي…)، ودوّن ماذا قلت، وماذا كنت تريد أن تقول لو كنت حرًا.
هذا التمرين يدربك على إعادة التفاوض مع الدور المفروض عليك.
▣ التمرين 3: جرد الحاجة الحقيقية
في لحظة هدوء، اسأل نفسك: “ماذا كنت أتمنى أن يحدث بدل هذا التمثيل؟ هل أحتاج حضنًا؟ صراحة؟ مساندة؟”
الإجابة على هذا السؤال تعيدك إلى صوتك الحقيقي.
▣ التمرين 4: جملة المقاومة
اختر جملة تختصر حقيقتك الآن، وكررها أمام المرآة بصوت مسموع. مثال: “أنا متعب… لكنني أستحق الراحة، لا التقدير فقط.”
بهذا التمرين، يتحول الاعتراف إلى بناء ذاتي، لا انكسار.
▣ التمرين 5: مقابلة مع الذات
تخيل أنك تجلس أمام نسخة منك، وابدأ حوارًا صريحًا. لا بأس إن بكيْت أو صرخت أو صمتّ. الأهم أن ترى نفسك دون فلتر الأداء.
بالخلاصة
“أبدو واثقًا… وداخلي ليس كذلك” هو تناقض طبيعي، لكن تراكم الإحساس به يشير على اختلال التوازن بين “الذات التي نعرضها” و”الذات التي نعيشها”. كلما طال الإنكار، تآكل الداخل في صمت. لكن حين نجرؤ على النطق بالألم، تتاح لنا فرصة الترميم… عبر تغيير صورتنا أمام الناس، و بإعادة وصلنا بأنفسنا.


لا توجد تعليقات